دراستي النقدية لأعمال الفنان المصري محسن أبي العزم- نشرت في جريدة نهضة مصر الأسبوعية يوم الخميس 14 فبراير 2013
المرأة
ذات التقاطيع الضخمة الواضحة تلتحف بالملاية اللف وترتدي الجلباب القصير المزركش
والخلخال الفضي، والرجل ذو الجلباب الطوبي أو الرمادي، والعمة المنهكة من كثرة
الغسيل واللف تحتضن رأسه الناشف، والمكان أرض مصرية يقطنها بشر بسطاء يعيشون على
فطرتهم المليئة بالمرح والشوق والصراحة والعنف والخجل والسخرية والإستفزاز وتتبع
الأخبار وتناقلها...
تطل
عليهم مآذن المساجد تارة وتحتضنهم بيوت الحواري المتكسرة تارة أخرى ، أو يفتح لهم
النهر الصغير ضفته ليستقبلهم ويستمع لحكاويهم ساعة الظهيرة... قراءة فنية عميقة
مصبوغة بلون مصري شديد الدفء والحميمية والتناغم البصري واللوني يقدم بها الفنان
محسن أبو العزم لوحاته التي تجمع ألوان الحارة المصرية وتستحضر روائحها وجلساتها
وأدق تفاصيلها وأبرز عاداتها اليومية على صفحات القماش التي تمرح عليها الفرشاة
المغموسة في ألوان زيتية ساخرة صارخة تزهو بألوانها العتيقة وتتخفى خلف رائحة
البخور ودخان السجائر والأتربة على أطراف جلابيب البسطاء
إنها
قراءة تعيد تقديم البيئة الشعبية المصرية بكل أيقوناتها الأصيلة وتفاصيلها البارزة
وطقوسها الخالدة ومكوناتها شديدة الخصوصية... إنها قراءة ثاقبة للشخصية المصرية
الشعبية ببساطتها وتلقائيتها وجموح عاطفتها وانفعالها... ولنتأمل هنا كيف ينقل
" خناقات " المجتمع الشعبي البسيط الذي فيه يشتبك رجل مع المكوجي الذي
أحرق قميصه؛ ولم يأته الرجل المتضرر بمفرده بل جاءه بالأصدقاء الذين يحملون العصي
ويتوعدون المكوجي الغلبان بالويلات، في حين يلتقط في الخلفية وجه رجلين أصابتهما
"الشماتة " والضحك المفرط على ما حل بالمسكين المستهدف، أو ربما
لإدراكهما أن نفس المشهد لن يلبث أن يتكرر بعد سويعات حينما يأتي صاحب القميص الذي
يحترق تحت أقدام المكوجي أثناء الخناقة ليعيد معه الكرة ثانية، بينما تتأجج نار ما
في خلفية اللوحة كانعكاس لثورة المتضرر الذي أصر على الفتك بالمكوجي المهمل
ويقدم
أيضا نموذج "الست النمامة" التي تشرب شاى العصارى مع جارتها في المطبخ
ليتبادلا النميمة وكشف أسرار الخلق، و "الأم العصبية" التي تمارس طقوس
تسريح الشعر والحموم في "الطشت"، والزوجة النشيطة التي تمارس العجن
والخبز وتنشغل في مطبخها الصغير المحندق، حيث يشاغبها طفلها الشقي، ولا ينسى
الخادمة المهملة مدمنة الحكاوي في التليفون، والماشطة؛ تلك الأيقونة النسوية
الأشهر في المجتمعات الشعبية، والتي أتى بها لتنقش بالحناء على قدم عروس دميمة
تنفر من دمامتها المعكوسة في المرآة... وفي كل الأحوال فإن الأنثى لديه هي تلك
الغندورة الشقية خفيفة الظل أحياناً، والبلهاء أحياناً أخرى، وإن لم تكن جميلة
بالضرورة... وكأنك إن أردت أن تأخذ جولة في حواري مصر وتعرف سمات بعض نسائها،
وتنال فرصة التمتع بالدعابة الظريفة والروح الفكاهية الساخرة، وتستمتع بالفرجة على
ألوان الملابس المنتقاه بعفوية الأطفال، فعليك أن تطالع لوحات ذلك الفنان الذي
يمنحك هذه المتعة والنشوة
تكمن المتعة البصرية بلوحات أبو العزم في تلك
الملاحم اللونية التي تترابط وتتعانق وتتكامل فيما بينها لتعطيك عدداً من العناوين
الصريحة للحياة في الحارة الشعبية المصرية التلقائية، علاوة على الجرأة في السخرية
من الأنا والآخر، كما يبدو في لوحة " الخياط " مثلاً، والتي يجعل فيها
الفنان السخرية والحرفة منطوقة بصرياً بالألوان الصريحة كصراحة بعض أهل الحارة من
البسطاء. أما البنية الموضوعية المحكمة التي يؤسس عليها لوحاته فكلها لقطات
إنسانية شديدة التوهج والواقعية، وأبرزها لوحة "الكبابجي" التي يقدم من
خلالها رجلاً يرتدي الجلباب الرمادي ويمر في انتشاء يتشمم رائحة دخان الشواء، وقد
اندمج واحد منهم في الشم والتخيل، بينما يمر الآخر وفي عينيه نظرة حسرة واشتهاء
غير منطوق... وشخصية "العراف" الذي يبخر الزبون ويباركه بآيات القرآن
وبعض التعاويذ والأحجبة الشعبية لدرء الشرور وجلب المنافع
وذروة
المتعة التي يمر بها المشاهد هنا تتمركز حول قدرة أبو العزم الفنية على خطف لحظات
دقيقة شديدة الدفء وتحويلها إلى لوحات إبداعية تجذب كل الحواس ويمكن أن ترسم
ابتسامة تعاطف، أو ضحكة بريئة على أحد المواقف التلقائية الحية، كما بدا في لوحاته
عن الأضرحة مثلاً وزيارة المقامات، حيث تستوقفنا لقطة متضاربة الدلالات والمشاعر،
ففي ناحية يبدو الشيخ منهمكاً في قراءة التواشيح والمدائح وتقف المرأة مسنودة على
الضريح تسكب ما بقلبها، وفى ناحية أخرى يشتبك الأطفال البسطاء في خناقة حامية توشك
أن تسفر عن إصابة في رأس أحدهما... وفي لقطة فنية أخرى تفترش الأم الفلاحة ساحة
الضريح ومعها سبت العيش والخضروات، وقد اتكأ طفلها الممسوس على فخذيها غائباً عن
الوعي، بينما تبدو طفلتها الصغيرة الشاردة منشغلة بمتابعة مشهد بدأ يلوح أمامها
فجأة
وهكذا
فإن اللوحة عند محسن عالم مفتوح متسع يشعل كل الخيالات الممكنة في نفس المشاهد
الذى يجول معه في البيئة الشعبية المصرية ويغوص في أدق تفاصيلها؛ فيقتنص لقطات من
الحياة اليومية لمعلمة القهوة البلدي وهي غارقة في التفكير تشرب الشيشة ساعة
الاصطباحة، ويمر على بائعة الجبن والقشدة وهي تخض القربة وتسامر الزبونة قبل أن
تأخذ البضاعة وتمضى، ولا يفوته تقديم حكاوي الحريم ساعة العصاري، ورصد فن الردح
العابر في أحاديث المساء بريشة ساخرة ترقص وتتهادى في خفة وثبات. ثم نجده يقدم
طقوس السبوع الشعبى في جو يعبئه البخور، بما يجعلك تزور أجواء الموالد وزيارة
المقامات والرقية والأفراح الشعبية والدراويش والزار، وتمر بجلسات السمر بين
الأصدقاء على القهاوي ومغنواتي الدكاكين الصغيرة
كما يصطحبك أيضاً إلى حلاق الصحة
الذي تارة ما يحلق للزبون رأسه وهو جالس أمامه على الأرض، وتارة أخرى يطبب له
جرحاً أو يخلع له ضرساً، إضافة إلى الكبابجي السريح، وبائعى السميط والمش والفول
والكشرى ومكوجي الرجل والفتوة والمزين وماسح الأحذية وثنائيات الحبيبة ولعب
الشطرنج والطاولة والدجال والشاويش ولعب الدومينو والكوتشينة والمطبخ والبخور
والخناقات في المحاكم. مشهد مصري مزدحم شديد الثراء والإنطلاق حسياً وعاطفياً، حيث
يجعل تأمل لوحات محسن أبو العزم من أكثر التجارب إمتاعاً وإدهاشاً، لما تحتويه من
لذة منظورة ومقروءة خلف صفحات الألوان وطبقاتها، وضربات الفرشاة الواقعية
الإنطباعية المغموسة في درجات الأوكر والأخضر المعتق والبني المصفر القديم المتعب،
بالتعانق مع الألوان الزاهية المميزة لبيوت الحارة الشعبية ومطابخها ومبانيها
القديمة... وهو إذ يتعمد المبالغة في بعض التفاصيل لجذب الإنتباه إنما للتشديد على
وضوح الشخصية المصرية وجرأتها، والتأكيد على خصوصيتها الجسدية والروحية
والوجدانية
إنها
مصر القديمة الشعبية بكل تفاصيلها حاضرة فى ريشة محسن أبو العزم، عبر تلك الروح
البسيطة الشقية الطيبة الملئية بالفضول والعشق لكل جزء من تفاصيل حياتها الغارقة
في النميمة والفكاهة، حيث يندمج بعضها مع الأجواء المحيطة، بينما البعض الآخر يقف
في الهامش خلف سور الحائط البعيد، ليسترق النظر إلى التفاصيل التي تتفجر غضباً
وسخرية بين الحين والآخر
آيه
مؤنس
16 Feb. 2013









Comments
اطيب الامنيات بدوام النجاح والتوفيق
with love..xoxo