جماعات الضغط وصناعة القرارات السياسية

 الجزء الأول: ما هي جماعات الضغط؟ وكيف نشأت؟

"إذا أردت أن تفهم كيف تُصنع القوانين، فلا تكتفِ بمتابعة جلسات البرلمان، بل انظر أيضًا إلى من يقف خارج القاعة."

كثيرًا ما نسمع في وسائل الإعلام عن "جماعات الضغط" باعتبارها عاملًا مؤثرًا قويًا في عملية صناعة القرارات السياسية المثيرة للجدل، فمثلا إذا اتخذت حكومة قرارًا لا يلقى قبولًا شعبيًا، يسارع البعض إلى القول بأن "اللوبيات" هي التي فرضته. وفي المقابل، يضع كثيرون الحديث عن "جماعات الضغط في الإطار النقدي الكلاسيكي المعروف بـ"نظرية المؤامرة" والذي بات استخدامه شائعًا للتسفيه من الكثير من الأحداث الجسيمة وتفريغها من خطورتها الحقيقية وتحويلها إلى "مزحة سخيفة".

والحقيقة أن جماعات الضغط ليست اختراعًا سريًا، ولا هي تنظيمات تعمل في الظل، بل هي جزء معروف ومُعلن من الحياة السياسية في كثير من الديمقراطيات الحديثة، بل إن العديد منها مسجل رسميًا بالفعل ويعمل وفق قوانين تنظم نشاطه، ويقدم تقارير دورية عن ميزانيات إنفاقه وبيان اتصالاته بالمسؤولين في كل أنحاء العالم. لكن السؤال المهم هو: ما هي جماعات الضغط؟ وكيف أصبحت لاعبًا مؤثرًا في صناعة القرارات السياسية؟

يعرف مصطلح "جماعات الضغط" في اللغة الانجليزية باسم "Lobby" ويرجع أصل تلك الكلمة  إلى "ردهة" أو "بهو" المبنى أو الفندق، وفي البرلمان البريطاني كانت هذه الكلمة تستخد للإشارة إلى الممرات التي كان ينتظر فيها المواطنون وأصحاب المصالح لمقابلة أعضاء البرلمان ومحاولة إقناعهم بدعم مشروع قانون أو معارضته. مع مرور الوقت، لم تعد الكلمة تشير إلى المكان، بل إلى النشاط نفسه؛ أي إلى محاولة التأثير في صانع القرار لصالح قضية أو مصلحة معينة. ومن هنا ظهر مصطلح Lobbying الذي يُترجم عادة إلى "الضغط السياسي" أو "أنشطة جماعات الضغط". ومن المهم الإشارة إلى أن هذا النشاط يتم بوسائل قانونية وعلنية، مثل تقديم الدراسات، أو لقاء النواب، أو الإدلاء بالشهادات أمام اللجان البرلمانية، أو تنظيم حملات توعية للرأي العام وهو ليس بالضرورة عمل مؤامراتي أو تخريبي.

تُعرف جماعات الضغط في العلوم السياسية، بأنها منظمات تسعى إلى التأثير في السياسات العامة دون أن تسعى هي نفسها إلى تولي السلطة السياسية أو الفوز بالانتخابات، وهذا ما يميزها عن الأحزاب السياسية. فالحزب السياسي يهدف إلى الوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه، بينما تهدف جماعة الضغط إلى التأثير في من يتولى الحكم، أيًا كان انتماؤه الحزبي، وذلك لأن جماعة الضغط تمثل في جوهرها مصالح اقتصادية، أو مهنية، أو بيئية، أو دينية، أو حقوقية، أو صناعية، أو حتى مصالح جالية معينة، وتختلف قوتها بحسب حجم مواردها، وعدد أعضائها، وقدرتها على الوصول إلى صناع القرار، وطبيعة النظام السياسي الذي تعمل فيه.

لماذا ظهرت جماعات الضغط؟

ظهرت جماعات الضغط لأن الحكومات أصبحت تتعامل مع مجتمعات معقدة تضم ملايين المواطنين وآلاف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي فكيف يمكن من غير الممكن لعضو في البرلمان أن يشرع قانونًا يتعلق بصناعة الدواء دون الاستماع إلى الأطباء وشركات الأدوية وجمعيات المرضى، أو أن تتم مناقشة قانون بيئي دون الرجوع إلى العلماء والمنظمات البيئية والصناعات المتأثرة به. من هذا المنطلق يرى الباحثون السياسيون أن جماعات الضغط تؤدي وظيفة تمثيلية لأنها تنقل إلى صانع القرار مصالح وخبرات قد لا تكون متاحة داخل المؤسسات الرسمية وحدها. لكن على الرغم من هذا، لا يخلو هذا التصور  من الانتقادات إذ ليست جميع الجماعات تمتلك الموارد نفسها - فالشركات الكبرى مثلا تستطيع توظيف خبراء ومحامين ومستشارين، بينما قد تجد المجموعات الصغيرة صعوبة في إيصال صوتها بنفس الكفاءة والقوة والقدرة وهو ما يبرز تساؤلات عن العدالة في توزيع مشروعية النفوذ السياسي.

جدير بالذكر هنا أن مفهوم جماعات الضغط قج ارتبط في أذهان كثيرين بالولايات المتحدة، ولكن تلك الظاهرة أقدم وأوسع من ذلك؛ ففي بريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا واليابان وغيرها توجد جماعات ضغط تمثل قطاعات اقتصادية ومهنية واجتماعية مختلفة، وإن كانت القوانين المنظمة لها تختلف من دولة إلى أخرى، إلا أن الولايات المتحدة تُعد النموذج الأكثر دراسة، ويرجع ذلك إلى عوامل عدة، منها اتساع نطاق المشاركة السياسية، وتعدد مراكز صنع القرار، ووجود قواعد قانونية تنظم كثيرًا من أنشطة الضغط والإفصاح عنها، مما جعلها موضوعًا غنيًا للبحث الأكاديمي.

في هذا الإطار يرى أنصار التعددية السياسية  (الذين من أبرزهم روبرت دال) أن وجود جماعات ضغط متعددة هو أمر إيجابي لأنه يمنع احتكار النفوذ، ويجعل الحكومة أكثر استجابة لتنوع المصالح داخل المجتمعات السياسية، ولكن منتقدو هذا التصور (مثل ثيودور لوي وغيره) يرون أن تفاوت الموارد الاقتصادية والتنظيمية يمنح بعض الجماعات قدرة أكبر بكثير على التأثير، مما قد يؤدي إلى اختلال ميزان التمثيل الديمقراطي. بين هذين الاتجاهين يرى كثير من الباحثين أن السؤال لم يعد عن وجود جماعات الضغطمن ععدم وجودها، بل عن كيفية تنظيم أنشطتها، ومدى شفافيتها.. وما إذا كانت تتيح الفرصة لمختلف الفئات للوصول إلى صناع القرار.. ولهذا ربما يكون أهم ما ينبغي إدراكه من البداية هو أن جماعات الضغط ليست كيانًا واحدًا، وأنها لا تعمل جميعها بالطريقة نفسها، ولا تتفق بالضرورة في أهدافها. إنها جزء من منظومة أوسع لصنع السياسات العامة، تتفاعل فيها المؤسسات المنتخبة، والإدارة الحكومية، والإعلام، ومراكز الأبحاث، والشركات، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، والرأي العام.

ولهذا، فإن فهم جماعات الضغط لا يبدأ بالبحث عن "من يحكم العالم"، بل بفهم كيف تتفاعل المصالح المختلفة داخل الأنظمة السياسية الحديثة، وكيف يُترجم هذا التفاعل إلى قوانين وقرارات وسياسات تؤثر في حياة ملايين البشر.

Comments