لماذا تُستقبل بعض الطائرات بقوسٍ من الماء؟

في عالم الطيران، هناك مشهدٌ يتكرر في مناسبات استثنائية: طائرة تهبط ببطء، وعلى جانبي المدرج تقف عربات الإطفاء لترش الماء في الهواء، مُشكّلةً قوسًا مائيًا تمر الطائرة من تحته. بالنسبة للمشاهد العادي قد يبدو الأمر مجرد استعراض جميل، لكنه في الحقيقة يحمل جذورًا ثقافية وإنسانية أعمق بكثير من مجرد الاحتفال. فالماء، في معظم الحضارات، لم يكن مجرد عنصر طبيعي، بل كان رمزًا للحياة والتطهير والبدايات الجديدة. وربما لهذا السبب أصبح هذا المشهد أحد أكثر الطقوس الاحتفالية انتشارًا في عالم الطيران الحديث. الماء هو أقدم رموز الاحتفاء، وقبل آلاف السنين، ارتبط الماء بطقوس استقبال العائدين من الرحلات أو الحروب أو الحج.

في مصر القديمة، كان النيل رمزًا للحياة والتجدد، وكانت المياه تدخل في الطقوس الدينية باعتبارها وسيلة للتطهير قبل دخول المعابد. وفي الهند، لا تزال المياه المقدسة في نهر الغانج تمثل رمزًا للتطهير الروحي وبداية صفحة جديدة. أما في اليابان، فيمارس طقس الـ Misogi، وهو الاغتسال بالمياه الجارية لتنقية الجسد والروح استعدادًا لمرحلة جديدة. وفي التقاليد المسيحية، أصبح التعميد بالماء رمزًا لميلاد جديد، بينما يُعد الوضوء في الإسلام استعدادًا روحيًا للعبادة، جامعًا بين النظافة المادية والمعنوية. رغم اختلاف الأديان والثقافات، بقيت الفكرة واحدة: الماء يعلن بداية جديدة.

قبل ظهور الطائرات بقرون، كان البحارة يحتفلون بعودة السفن من الرحلات الطويلة بإطلاق المدافع أو قرع الأجراس أو رفع الأعلام. وعندما تطور الطيران المدني في القرن العشرين، بدأت المطارات تبحث عن طقس احتفالي خاص بها. وهنا ظهر ما يعرف اليوم باسم Water Salute أو "التحية المائية"، حيث تستخدم عربات الإطفاء خراطيمها لتشكيل قوس من الماء تمر الطائرة من خلاله.

اختيار عربات الإطفاء لم يكن عشوائيًا؛ فهي موجودة بالفعل في كل مطار لأغراض السلامة، وأصبحت قادرة على أداء هذا الاستعراض دون الحاجة إلى تجهيزات إضافية. ولكنن متى تُستخدم التحية المائية؟

لا تُقام هذه التحية في كل رحلة، وإنما في مناسبات خاصة، مثل أول رحلة لشركة طيران جديدة. افتتاح خط جوي بين مدينتين أو دولتين. استقبال بعثة وطنية أو فريق رياضي. تقاعد قائد طائرة بعد عقود من الخدمة. خروج طائرة من الخدمة بعد سنوات طويلة. الاحتفال بإنجاز وطني أو مناسبة رسمية. ولهذا شاهدنا هذا المشهد في مطار العلمين اليوم عند استقبال بعثة المنتخب المصري، باعتباره تعبيرًا رمزيًا عن الترحيب والتقدير.

ولهذا أمثلة متعددة حول العالم، فففي عام 2013، استقبلت مطار سان فرانسيسكو الدولي أول رحلة لطائرة بوينغ 787 التابعة للخطوط الجوية اليابانية بقوس مائي احتفالًا بدخول الطائرة الخدمة على هذا الخط. وعندما وصلت أولى رحلات طيران الإمارات بطائرة A380 إلى مطارات مثل براغ وبروكسل وأوسلو، كان القوس المائي جزءًا من مراسم الاستقبال الرسمية. وفي عام 2020، استُقبلت بعض رحلات الإجلاء التي أعادت المواطنين إلى أوطانهم خلال جائحة كورونا بالتحية المائية، في رسالة رمزية تجمع بين الامتنان والأمل. كما تستخدمها القوات الجوية في دول عديدة لاستقبال الطيارين العائدين من مهمات تاريخية أو لتوديع الطيارين المتقاعدين بعد سنوات من الخدمة.

قد يبدو غريبًا أن يستمر طقس لا يقدم أي فائدة تقنية للطائرة، لكن الإنسان لا يعيش بالوظيفة وحدها. فكل المجتمعات تصنع طقوسًا تمنح اللحظات الاستثنائية معنى يتجاوز الحدث نفسه. رفع الأعلام، وإطلاق الألعاب النارية، ودق أجراس الكنائس، وإطلاق المدافع في المناسبات الرسمية... كلها أفعال رمزية لا تغيّر الواقع، لكنها تغيّر الطريقة التي نتذكر بها هذا الواقع. والتحية المائية تنتمي إلى الفئة نفسها. إنها تقول بلغة لا تحتاج إلى كلمات: "لقد كانت هذه الرحلة مختلفة... ونريد للجميع أن يتذكرها."

**

قد نعتقد أن المطارات والطائرات تمثل قمة الحداثة، لكن حتى أكثر التقنيات تطورًا لا تنفصل عن الثقافة الإنسانية. فالإنسان، أينما ذهب، يحمل معه حاجته إلى الرموز والاحتفال والذاكرة. ولهذا لم يصبح قوس الماء مجرد استعراض في مطار، بل طقسًا عالميًا يجمع بين التكنولوجيا وأقدم لغة عرفتها الحضارات: لغة الرموز. 

الجمعة 10 يوليو 2026

Comments