لماذا لا تقاس محبة الله بكثرة العطاء؟
نعيش حياتنا ونحن نحاول فهم كل ما يجري حولنا من أحداث، وغالبا ما نربط بين النعم ورضا الله، وبين المصائب وغضبه، فنظن أن الغني محبوب عند الله لأنه مُنح المال، وأن الفقير أقل منزلة لأنه مُنع، أو أن الظالم الذي يزداد سلطانًا كل يوم إنما يحظى برعاية إلهية خاصة. غير أن القرآن الكريم والسنة النبوية يقدمان صورة مختلفة تمامًا عن هذه التصورات السطحية، ويؤكدان أن الدنيا ليست مقياسًا لمحبة الله أو كراهته، وإنما هي دار ابتلاء واختبار، يُمتحن فيها الجميع؛ الغني والفقير، القوي والضعيف، الحاكم والمحكوم حيث أخبرنا الله تعالى أن العطاء قد يكون ابتلاءً كما يكون المنع ابتلاءً، فقال سبحانه: "فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ، كَلَّا". جاءت كلمة "كلا" لتنسف هذا الفهم الخاطئ؛ فليس كل من أُعطي مكرمًا، وليس كل من مُنع مهانًا. فكم من إنسان أغرقه الله في النعم حتى غفل عن شكره، وكانت تلك النعم نفسها سبب هلاكه، وكم من إنسان ضُيّق عليه في الدنيا فكانت الشدائد طريقًا إلى صلاح قلبه ورفعة درجته، وعلينا أن نفهم أن حكمة الله في المنح والمنع تتجاوز إدراكنا المحدود؛ وذلك أننا نرى اللحظة الحاضرة فقط ونركز عليها تركيزَا قويَا، بينما يعلم الله الماضي والحاضر والمستقبل. قد يحرم الله عبدًا من أمر يحبه لأنه يعلم أن حصوله عليه سيكون سببًا في فساده أو شقائه، وقد يؤخر أمنية سنوات طويلة لأنها ستأتي في الوقت الذي تتحقق فيه أعظم منفعة. وكثيرًا ما ينظر الإنسان إلى أحداث مرت به بعد سنوات فيدرك أن ما اعتبره خسارة كان في الحقيقة حماية ورحمة.
ولهذا كان الأنبياء أكثر الناس ابتلاءً، مع أنهم أحب الخلق إلى الله. فقد عاش نوح قرونًا يدعو قومه ولم يؤمن معه إلا قليل، وأُلقي إبراهيم في النار، وسُجن يوسف ظلمًا، وابتُلي أيوب بالمرض سنوات طويلة، وعانى محمد (صلى الله عليه وسلم) من الأذى والحصار وفقد الأحبة. ولو كانت النعم الدنيوية دليل المحبة المطلقة، لما مر هؤلاء بكل تلك المحن. وفي المقابل، قد يُفتح على الإنسان باب المال أو السلطة أو الشهرة، فيظن أنه ناجٍ، بينما يكون ذلك نوعًا من الاستدراج. والاستدراج هو أن يُمهل الله العبد ويزيده من النعم مع إصراره على المعصية حتى يزداد إثمًا، ثم يأتيه العقاب على حين غرة. قال تعالى: "سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ". وهذا من أخطر ما يمكن أن يواجهه الإنسان؛ لأن استمرار النعمة قد يخدعه فيظن أنه على الطريق الصحيح، بينما هو يبتعد عن الله أكثر فأكثر. وفي هذا السياق قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج." وهذا الحديث يغير نظرة المؤمن إلى الدنيا؛ فلا يغتر بما في أيدي الناس، ولا يحسد من مُنح سلطانًا أو مالًا، لأنه يعلم أن حقيقة الإنسان لا تُقاس بما يملك، وإنما بما يكون عليه قلبه وعمله عند لقاء الله. ومن هنا نفهم أن المنع قد يكون رحمة خفية، وأن العطاء قد يكون اختبارًا شديدًا. فالله لا ينظر إلى ما يملكه الإنسان، بل إلى كيفية تعامله مع ما أُعطي أو ما مُنع. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: "لماذا مُنحت أو مُنعت؟"، وإنما: "كيف سأتعامل مع ما كتبه الله لي؟"
إن إدراك هذه الحقيقة يمنح الإنسان سكينة عميقة؛ فلا ينهار إذا فقد شيئًا يحبه، ولا يتكبر إذا حصل على ما يتمناه، لأنه يعلم أن كل ما في الدنيا مؤقت، وأن الميزان الحقيقي سيكون يوم القيامة، حيث تنكشف الحقائق كلها، ويُعطى كل إنسان جزاءه بالعدل الكامل الذي لا يظلم فيه أحد. في الجزء الثاني سننتقل إلى سؤال يشغل البشر منذ آلاف السنين: لماذا يمكّن الله الظالم أحيانًا؟ ولماذا يسمح باستمرار ظلمه سنوات طويلة قبل أن يأتي العقاب؟ وسنبدأ بقصة فرعون كنموذج لهذه السنة الإلهية، ثم نستعرض أمثلة تاريخية أخرى لجبابرة ظنوا أن ملكهم سيدوم.
دمتم بخير

Comments